الإثنين , يناير 17 2022
الرئيسية / فنون / ملحمة كلكامش.. مؤسس الديمقراطية

ملحمة كلكامش.. مؤسس الديمقراطية

دون السومريون أعظم ملحمة انسانية خالدة عرفتها البشرية وهي ملحمة كلكامش التي صورت هموم البشرية وقلقها وارتباكها وتناقضها الفسيولوجي والروحي.

عالجت الملحمة الربوبية والقيم والخلود ومواضيع الديمقراطية بالعراق، فلم يكن هذا المصطلح مستحدث من قبل الدول الغربية، وإنما وجدت في أساطيرنا القديمة.

كانت من عادة البابليون من كل عام أن يخلعوا ملكهم لمدة دقائق، لكي يذق معنى الحرية، ولكي يتسنى له الوقت من أجل محاسبة نفسه ومعرفة خطاياه.

كتبت ملحمة كلكامش باللغة السومرية وترجمت الى الاكدية، تتعدى هذه الملحمة الحدود الجغرافية، فهي لا تقتصر على شعب أو مكان محدد، ففصولها العالم الرحب.

تتكلم الأسطورة عن مدينة “أوروك” وشعبها الذي يحكمه ملك ثلثاه إله وثلثه الآخر إنسان، وهو كلكامش ابن الإله ننسون الذي حملت به من ملك بطل أسطوري مقدس.

كان كلكامش مكتمل الجلال والأولوهية فيقال أنه كان ينظر إلى الشمس فتصبح سوداء من شرارة نظره، ويرتقب القمر ليختبئ منه ويحل الظلام على أوروك وشعبها ليبقى هو وحده الإله الحارس والمتجبر، فيقتل من يعارضه ويغتصب من يريد من نساء المدينة حتى زوجات قادة جيشه كما كانت القرابين ترمى تحت قدميه.

عانى شعب أوروك الكثير من الظلم والاستبداد أثناء فترة حكم كلكامش ووجدوا من شخصية أنكيدو (نصف بشر ونصف حيوان) المنقذ لهم من هذا العذاب والجبروت، وفي أحد الأيام تواجه هذان الاثنان و تصارعا ولكن هذه العداوة سرعان ما أصبحت صداقة حيميه.

كان أنكيدو بالفعل المنقذ لأهالي أوروك، فقد بدأ كلكامش يتغير شيئاً فشيئاً فقل القتل والاغتصاب، وقضيا على العفريت خمبايا الذي شكل رعب للأهالي، لكن شاءت الأقدار أن تختبر الملك الشجاع وتضعه   أمام حقيقة الفناء والموت.

كانت هذه نقطة تحول في حياة كلكامش، لينطلق في رحلة البحث عن نبتة الخلود والبقاء التي وصفها له جده وبعد رحلة بحث مضنية يجدها في قاع البحر، وعندما يغفو على الشاطئ تسرقها الحية بأمر من الآلهة التي لا تسمح بالبقاء سوى لذاتها.

ويعود كلكامش فاضي الوفاض متحسرا فينصحه حكماء أوروك بأن الطريق الوحيد للخلود هو العمل الصالح والعدل والبناء، وهنا تصبح مرحلة جديدة في حياة كلكامش وطريقة تعامله مع شعبه.

كانت هذه حكاية الملك العظيم كلكامش وهنا علينا طرح سؤال مهم وهنا يمكننا أن نتساءل: هل كانت هناك ديمقراطية في أرض سومر قبل خمسة آلاف سنة؟ أم أنه مجرد صراع بين الخير والشر في خيال كاتب؟ 

عكست الملحمة الجانب الإنساني من حياة الملك الإنسان ومدى حبه لشعبه فعندما حصل على عشبة الخلود قال “سأحملها إلى أوروك و اجعل الشعب يأكلها”.

كما كان يسهر على مصالح امته فيقال أنه “كان يقتل الأسود حتى ينام الرعاة مطمئنين”، قسوته وجبروته وعنجهيته لم تمنعه عن استشارة مجلس الشيوخ في العديد من الامور التي تخص الدولة وكان يقابل العامة ويستمع لشكواهم.

وبامكاننا رؤيته مقدار الحرية التي كان يتمتع بها البابليون، من خلال الطقوس التي تتضمن إقالة ملكهم عن الملك لمدة دقائق معدودة، وعرفت هذه الظاهرة بـ أكيتو أو رأس السنة البابلية، حيث كان الكاهن يصفع الملك ويجره من أذنيه أمام الشعب بعد أن يخلع عنه تاجه وصولجانه مذكرا إياه بطبيعته البشرية.

شاهد أيضاً

نزيهة الدليمي.. الرائدة في الحركة النسوية في العراق

(الجورنال JNA) ولدت نزيهة الدليمي في العراق عام 1923، وهي الابنة الوحيدة بين ستة أولاد، ...